صديق الحسيني القنوجي البخاري

68

فتح البيان في مقاصد القرآن

على الشيء كالعصابة والعمامة ، ومنه غاشية السرج وهي غطاء التعامي عن آيات اللّه ودلائل توحيده قيل المراد بالختم والغشاوة ههنا هما المعنويان لا الحسيان ، ويكون الطبع والختم على القلوب والأسماع ، والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة قال تعالى : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [ الشورى : 24 ] وقال : خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني في الآخرة وقيل الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى والعذاب هو كل ما يؤلم الإنسان هو مأخوذ من الحبس والمنع ، يقال في اللغة أعذبه عن كذا حبسه ومنعه ومنه عذوبة الماء لأنها حبست في الإناء حتى صفت ، وقيل هو الايجاع الشديد ، والعظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكان العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا . وَمِنَ النَّاسِ جمع إنسان أو اسم جمع لإنسان قاله سيبويه والجمهور ، وأصله الناس وذهب الكسائي إلى أنه اسم تام ، وقال سلمة كل من ناس وأناس مادة مستقلة ، والفرق بين الجمع واسم الجمع أن اسم الجمع ما دل على ما فوق الاثنين ولم يكن على أوزان الجموع سواء كان له مفرد أو لا ويشترط فيه أيضا أن لا يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ولا بالياء كزنج وزنجي ، فإنه اسم جنس جمعي ، ويعرف باطراد تصغيره من غير رد إلى المفرد ، وقد يراد باسم الجمع الجمع الوارد على خلاف القياس ، وهذا في عرف النحاة ، وأما أهل اللغة فاسم الجمع عندهم يسمى جمعا حقيقة ذكره الخفاجي سمي به لأنه عهد إليه فنسي أو لأنه يستأنس بمثله ، ولام التعريف فيه للجنس أو للعهد . مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص ، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص ، ثم ذكر ثالثا المنافقين في الآيات الثلاث عشرة وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين بل صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى ، وفي الباطن الطائفة الثانية ، ولذا نزل فيهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] قيل نزلت في عبد اللّه بن أبيّ ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم ، والمراد باليوم الآخر ، الوقت الذي لا ينقطع بل هو دائم أبدا وهو يوم القيامة وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ نفى عنهم الإيمان بالكلية في جميع الأزمنة كما تفيده الجملة الاسمية ففيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره . يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يخالفونه ، وَالَّذِينَ آمَنُوا والخداع في أصل اللغة الفساد حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي وقيل أصله الإخفاء حكاه ابن فارس وغيره والمراد أنهم صنعوا صنع الخادعين وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع ، وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل والمراد بالمخادعة من اللّه أنه لما أجرى عليهم